25‏/12‏/2016

الفصل الثالث - فارس الاحلام

3

ارتبك وتلعثم لسانه واحمّر وجهه،
واحس بضيق في النفس وانه هو الذي بحاجة الى شرفة وهواء طلق.
v     عفوا هل قلت شيئا مزعجا؟؟
أو ربما قطعت عليك حبل افكارك، فأنا اشعر انك هنا ولست هنا،
عقلك وروحك في مكان آخر.

(ماذا تقول؟ هل دخلت في ذهني – هل قرأت أفكاري؟)
تحوّل ارتباكه الى خجل، وراح يطلب من الله ان يمدّه بالقوة ويشرح صدره ويحل عقدة لسانه.

وكأن الله استجاب دعاءه
قال لها
- طبعا، طبعا ... كل ما تقولينه صحيح
ضحكت ضحكتها تلك وقالت
v     أنا لم أقل شيئا، فقط سألتك عن شرفة أخرج اليها

حاول ان يتصنّع الهدوء وان يقف بإتّزان:
-  طبعا هذا ما قصدته، لقد ازدحم المكان ولا بد من الخروج
وأشار بيده قائلا
- الشرفة من هناك

ولكنها وقفت كأنها تتنتظره لمرافقتها!
ارتبك... لم يدر كيف يتصرف.

فأخذته من يده قائلة:
v     أظن انك بحاجة الى الشرفة أكثر مني

ارتفعت حرارة جسمه لمّا لامست يدها يده
شعر بسخونة شديدة تحرق رأسه
وقشعريرة باردة تسري في جسده
صيف وشتاء في جسم واحد
نار وثلج في وقت واحد.

ذهل من شدة المفاجئة
هل تحوّل الحلم الى حقيقة
هل تحوّل الخيال الى واقع؟

مشى بجانبها كالطفل الضعيف
العرق البارد يبلّل جبينه!

خرجا الى الشرفة العريضة المطلّة على البحر الكبير
وكان القمر بدرا كاملا، وفي الجوّ نسمات منعشة
تضفي على المكان رومانسية بريئة.

-       يا الله ما اجمل هذا المنظر
قالها وكأن روحه قد ردّت اليه.. والهواء الطلق قد نفخ فيه جرأة وانتعاش
فعادت اليه طلاقة لسانه
-  لقد انقذتيني فعلا
فقاطعته ممازحة
v     لا، بل قل ايقظتك من حلم جميل
-  صحيح، لقد كان حلما جميلا، ولكن كيف عرفت انني كنت احلم؟
v     كنت اراقبك من اول السهرة،
رفاقك يكلّمونك فلا تنتبه لهم كأنك لست موجودا معهم، ونظرك يسرح خلف حدود الجدران، وقسمات وجهك كأنها (مرة تأنّ ومرة تحنّ)
فحبكت معه النكتة
-       " ومرة تجنّ..
v     خجلت ان أقولها فقلتها انت،
وكأنك تقرأ افكاري!
-       يا فزعي ان تكوني انت قارئة الافكار.

نظرت اليه تتصنّع الوقار، رغم ابتسامة حاولت ن تخفيها
v     لا تخف انا قارئة فنجان فقط..
-       وهل تستطيعين قراءة فنجاني؟

ابتسمت ابتسامة رقيقة وقالت بين المزاح والجد
v     بحياتك يا ولدي امرأة....

وأكّد هو بعد أن اطرقت خجلا
-       عيناها سبحان المعبود
فمها مرسوم كالعنقود
والشعر الغجري المجنون
يسافر في كل الدنيا
قد تهوى امرأة يا ولدي
يهواها القلب
هي الدنيا.

أحسّها كأنها ترتجف لمّا سألته
v     هل تحب شعر نزار؟
-       أشعر انّه يعنيني في هذا الشعر.

شعر بالقلق في عينيها حين قالت
v     وهل هي جميلة هكذا؟
-       من هي؟
v     المرأة التي تهواها
-       تقصدين التي قد أهواها؟

خيّم على المكان صمت ثقيل الظل امتد لحظات كأنها دهر كامل ثم قال بعد تفكير عميق
-       سبحان الله لم اكن اؤمن بالصدفة ابدا أمّا اليوم..
قاطعته قائلة
v     لم تكن صدفة..
قال بدهشة
-       أتعنين انك..
قاطعته مرة ثانية وكاّنها لا تريد ان تخونها شجاعتها
v     أجل أعني انّني تعمّدت ان اكلمك

لم يصدّق ما يسمعه!
اهذه هي الفتاة التي كان يخال انّ بينه وبينها مسافات شاسعة؟
اهذه هي الفتاة التي كانت تنظر الى الجمع ولا ترى احدا؟
اهذه هي الفتاة التي ظنّ انّه لا يمكن الوصول اليها؟

لكنّها قاطعت افكاره هذه المرّة وكأنها فهمت ما يدور بخلده
v     لا تندهش.. لقد كنت اراك كلما حاولت ان لا اراك، كنت احاكي افكارك!
كنت اسمعك وكأنك تدندن شيئا من الموسيقى
وكنت متأكدة انّ تلك النغمات لي.
كان هناك دافع غريب يدفعني كي اكلّمك
كي ادنو منك
كي اعرفك أكثر!

ثم تذكّرت حلمها القديم/
حلمها منذ ستّ سنين امام المرآة.
تذكّرت كيف تغزّلت به.
وهي ما زالت تحلم وتتغزّل به
(فارس أحلامها)
وكأنها اليوم تريد أن تقول له حقيقة
وليس أمام المرآة
(أحبّك أحبّك أكثر)

ثم راحت تسرح مع خيالها من جديد
"ربّاه
أصحيح أنا أمامه؟
فارس أحلامي
هل هذا حبّي وغرامي
هل انا فتاة احلامه؟
ام يا ترى عنده من تهواه
وتهيم به وترعاه!

لا
لا اصدّق انه ليس هو.
لا يمكن ان تخدعني عيوني
كيف لا يكون هو
كيف لا اعرفه
وهو الساكن
بين نظري وجفوني.

كيف لا اعرفه من دقات قلبي
كيف انكره يا ربي!

يا رب.
ادعوك وانت حسبي.
بحقّ مجدك وعلاك
بحقّ نورك وهداك
ليكن هو
أرجوك يا ربّي.

وكان هو في نفس اللحظة
يكلّم نفسه...
" أهذا واقع أم حلم وخيال؟
أحقّا لمست المحال؟
أحقا بات الحلم حقيقة؟
أحقا احاكي الجمال
والجمال يحاكيني؟
احقّا لمسني بيده
احقّا صار يناديني؟
صورتها امامي الآن
أم هذه تخاريف عيوني؟

ربّاه.
ان كان هذا حلما فلا تصحّيني.
وان كان واقعا
فخذ بيميني
فقد سلبت فعلا عقلي ويقيني!

وسألها فجأة
-       هل تؤمنين بتوارد الخواطر
v     أصبحت اؤمن بكل شيء غير اني خائفة
-       هل تحبّين ان نتمشى قليلا على شاطيء البحر

ابتسمت بحياء ففهم انها لا تمانع.

انسلاّ من بين الاصدقاء ومضيا نحو البحر الكبير وكان صوت ام كلثوم ينساب من مكان ما قريب منهما، وكأنها تريد ان تكون اول شاهدة على حبهما.

وكأن الستّ تريد ان تكون اول راوية لسيرة حبهما
كانت تغني سيرة الحب.

" طول عمري بخاف من الحب
وسيرة الحب
وظلم الحب
لكل اصحابو
واعرف حكايات مليانة آهات
ودموع وأنين
والعاشفين
دابو
ما تابو
طول عمري بقول
لا انا قدّ الشوق
وليالي الشوق
ولا قلبي قد عذابو
وقابلتك انت
ولقيتك
بتغيّر كل حياتي
ما عرفش ازّاي حبيتك
ما عرفش ازّاي يا حياتي
من همسة حب لقتني بحب
لقتني بحب وادوب بالحب
وصبح وليل
على بابو

-       كأنها تغني كلماتي.
v     ونزار يعنيك بشعره!
قالتها بعصبية خجولة
v     ترى من هي سعيدة الحظ؟

في تلك اللحظة قرّر ان يصارحها
قرّر ان يبرز لها سرّ غرامه
سرّ حبه وهيامه.

-       اتصدّقينني إن قلت لك أنّ قلبي لم ينشغل بأحد
ولا عرف الحب
قبل هذا اليوم.

v     وما سرّ هذا اليوم ياترى؟

سألته وهي تحاول ان تخفي قشعريرة ارجفتها.
فقد كانت تعرف ما سيقول، وكأنّ قلبها أنبأها مسبقا!
أحسّت انها لن تستطيع ان تواجه ما سوف يقول!
زادت رجفتها، وزادت دقّات نبضها
وراح صدرها يعلو ويهبط
وبدأ العرق يتصبب من جبينها.

-       أنتِ
قالها بهدوء.

تمالكت نفسها وحبست انفاسها
وشعرت بقشعريرة خفيفة تسري في جسمها.

v     أنا !؟
قالتها بمنتهى الأنوثة.

-أجل أنتِ
منذ اللحظة التي رأيتك فيها تدخلين الحفل وأنا في دنيا غير الدنيا.

تمنّت لو تقول له
v    (وأنا أيضا)
لكنها آثرت ان تتركه يكمل حديثه
-       رأيتك فنسيت نفسي
ورحت اكلّم خيالي كالمجانين.
v    (وأنا أيضا)

لا أدري كيف ملكت فؤادي
تملّكني شعور غريب
لم اعرف لذّته قبل اليوم
سرحت بخيالي
رافقتك الى عالم جميل
عالم فيه حدائق وزهور
فيه انهار وبحور
رقصنا معا
تزفّنا بنات الحور
كنت انت في فستانك الابيض
v    (حاكته بنات الجن
يرقص طربا يكاد يجن)

وكأنك ملاك مع الملائكة
خفت ان تعلين عن مستوى البشر
أمسكت بيدك
وسألتك أن لا تتركيني.

سألته بصوت خافت من وجل اللحظة
صوت فيه خليط من الهلع والدلع
v     وهل تركتك !؟

نظر الى عينيها محاولا ان يستفهم منهما شيئا.
حاول ان يدخل الى ذاتها
ان يعرف قرارها
ان يقرأ ما يدور في بالها!

تلك اللحظة كانت له العمر كله.
فقد احسّ انّ قرارا ما سيصدر.
امرا الهيا سيعلن.
شعر ان القدر سيقول حكمه
إمّا بمنحه شهادة الغرام
وإمّا بالأعدام.

احسّ انّه لا يمكن ان يكون هناك حلا وسطا.
لا يمكن ان يكون بين بين.
إمّا ان يكون
او لا يكون.

أجابها بصدق واضح
-       لا ادري
فلقد دخلت فعلا في حلمي
وامسكت فعلا بيدي
ومضيت بي الى الشرفة
وها انا معك على الرمال
وكلّي آمال
أن يصبح الحلم حقيقة
واعرف انك فعلا معي وانك لن تتركيني....

v    (وكيف اتتركك يا نور عيوني
يا سر حياتي وحنيني
آه لو تدري
كم حلمت بهذا اللقاء
كم توسّلت الى السماء
كي تجمعني بك
كي ارى فارسي ياتيني
ياخذني على حصانه الابيض
وها هي السماء تستجيب
تحقّق حلمي وترضيني)

v     وانا ايضا ... لا بد اننا التقينا في مكان ما...... أو زمان ما!
-       ولكن اريد ان اعرف منك الجواب
v     أي جواب؟
-       هل ستتركيني؟
هل سأرجع الى الحلم؟
ام انّي سأحرم ايضا من الاحلام!
اريد منك جوابا.
اريد ان استريح
اريد ان انام
وانا اعرف انّي ساراك في المنام
وانّني عندما اصحو
سأجدك امامي
فتصبحين واقعي ومنامي.
اريد ان اعرفك اكثر...

v    (وانا اريد ان احبك اكثر
والله
أريد ان احبك اكثر)

هناك كلام كثير اريد ان اطلقه من وجداني.
فهل سيضحك لي زماني؟
أم سيقول انني مجنون....

v    (وانا مجنونة)

كي افتن بهذه العيون!
فهي فوق الشجون
وسر من الاسرار مكنون.
صدّقيني.
إنّني احمل من الهوى فوق طاقتي
ومن اجلك ستقام عليّ قيامتي!
فجودي بدفقة حنان
تخفف من لوعتي وصبابتي.
لا تقولي لي اصبر
فالصبر ليس من عادتي.

حدثيني يا نور العيون
اكسري هذا السكون.
قولي لي جوابك
ترى ما هو ردّك
ماذا سيكون؟

وكانا قد وصلا الى المكان الذي تركن فيه سيارتها
فتحت الباب وجلست خلف المقود.

نظرت اليه نظرة
فيها الف حسرة!
تمنّت لو تستطيع
ان تبثّه كل الهوى كما في الأحلام.
تمنّت لو تقول له شيئا
اي شيء
اي كلام.
ولكنّها لم تقدر!

أدارت محّرك سيارتها
فدار معه قلبه وعقله.
وراح فؤاده يخفق
ما عاد يقدر ان ينطق!

وقبل ان تقلع.
قالت له وهو في حيرة وسكون
و بصوت متقطّع.....

v     سأتّصل بك في التلفون

لم تنتظر منه ردّا!
بل انطلقت في صمت
وهو مذهول!

راح يركض خلف سيارتها ويقول
- اي تلفون؟ ما اسمك ؟ من أنت؟

ثمّ استعاد نظره
وراح يتأمّل في العتمة
علّه يجد في الظلمة ........
سيارة
تقلّ روحه وعمره
تقلّ قدره

سامي الشرقاوي

ليست هناك تعليقات: